الشيخ محمد علي الأراكي

129

أصول الفقه

انتهاء وجود موضوعه إنّما هو بدلالة العقل وحكمه ؛ لأنّ التكليف بالاجتناب عن المعدوم تكليف محال . « 1 »

--> ( 1 ) - اعلم أنّه لا مجال لهذا البحث على تقدير أن يكون النهي في « لا تشرب » مثلا متعلّقا بصرف الوجود ، فإنّه بعد الاضطرار سواء إلى المعيّن أو غيره قبل العلم أم بعده يجب الاجتناب عن الآخر ، فإنّ غاية الأمر كونه شبهة بدويّة ، وعرفت أنّ الشبهة الموضوعيّة من هذا القسم واجب الاجتناب وإن كانت بدويّة ، فالبحث إنّما هو على تقدير كون النهي متعلّقا بالوجود الساري ، فكلّ فرد فرد من الخمور الخارجيّة موضوع لنهي مستقلّ وله إطاعة ومعصية مستقلّتان . وحينئذ نقول : إمّا نفرض العموم الاستغراقي بالنسبة إلى الزمان في النهي في كلّ فرد ، فهو في كلّ فرد أيضا ينحلّ إلى نواهي عديدة بعدد الأزمان ، وإمّا لا نفرض كذلك ، بل نقول : إنّ النهي في كلّ ممتدّ بامتداد الزمان ، فلا تحصل إطاعة كلّ فرد إلّا بعد فقدانه أو موت المكلّف ولم يشربه ، وأمّا مع وجودهما وإن مضى على ذلك سنون فلا إطاعة ولا معصية . وعلى هذا قد يفرض الاضطرار قيدا للتكليف ، فلو علم المكلّف بأنّه سيضطرّ في أحد أزمنة عمره إلى شرب هذا الفرد جاز له شربه من هذا الحين ، فإنّه علم بأنّ هذا التكليف الواحد غير ممكن الإطاعة ، وقد يفرض قيدا للفعل أو متعلّقه فنقول : الشرب أو الخمر المضطرّ إليه لا نهي عنه ، ومورد النهي هو الشرب أو الخمر الغير المضطرّ إليه ، وعلى هذا فلا يجوز الشرب قبل حدوث الاضطرار وإن على بحدوثه في ما بعد . ثمّ المتعيّن من هذين هو الثاني ، لأنّا نعلم بالضرورة أنّ من يعلم باضطراره في الغد إلى شرب الخمر لا يجوز له قبل الغد . وأمّا الوجهان الأوّلان أعني ملاحظة العموم بالنسبة إلى الأزمنة في كلّ فرد وعدمه فكلّ ممكن . فإن قلت : يمكن استظهار الأوّل بملاحظة حال الغصب ، فإنّ المقدار الواحد منه يزداد عصيانه قطعا بازدياد مدّته . قلت : لا دلالة فيه على ذلك ، فإنّ النهي المتعلّق بالوجود الساري كما يتعدّد بتعدّد الوجودات ، يختلف شدّه وضعفا باختلاف الوجودات كذلك ، فالقطرة من الخمر فرد والحبّ منه أيضا فرد ، وكلّ منهما تعلّق به نهي واحد . لكنّ النهي في الثاني أشدّ من الأوّل بمقدار أشديّة الحبّ من القطرة . وبالجملة ، حال النهي على هذا حال البرودة العارضة للوجود الساري للماء ، فكما يتعدّد بتعدّد الماء يختلف شدّة وضعفا على حسب اختلافه كذلك ، وعلى هذا فالغاصب المذكور يكون في أثناء